اسماعيل بن محمد القونوي
30
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فإن اليتيم مع كون معمولا للفعل المجزوم قد تقدم على لا الناهية مع امتناع تقدم الفعل على جازمه وله نظائر كثيرة فلا يطرد القاعدة المذكورة ولا نسلم لزوم مزية الفرع على الأصل في مثل هذا ومنع أيضا جواز تقديم المعمول المذكور فإنه متعلق بفعل محذوف دل عليه ما بعده أي ألا يلزمهم يوم يأتيهم وأنت تعلم أنه تعسف والنزاع فيه قليل الجدوى ولقد أغرب أبو حيان حيث قال وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ليس عليها ولا بتقديم معموله إلا ما دل ظاهر هذه الآية الكريمة وقول الشاعر : فيأبى فما يزداد إلا لجاجة * وكنت أبيا في الخنا لست أقدم وجه الغرابة هو أن عدم الظفر لا يدل على عدم تحققه إذ الاستقراء مشكل وأيضا عدم التحقق لا يدل على عدم الجواز . قوله : ( وأحاط بهم وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد ) أي في أحاط استعارة تبعية بالنسبة إلى الزمان ومبالغة في التهديد لإبراز ما سيقع في معرض الواقع من قبيل عطف المعلول . قوله : ( أي العذاب الذي كانوا به يستعجلون فوضع يستهزئون موضع يستعجلون إذ استعجالهم كان استهزاء ) قولهم ما يجسه معناه المتبادر الاستعجال فالظاهر يستعجلون لكن وضع يستهزئون موضعه إذ استعجالهم كان استهزاء أي كان كناية عن الاستهزاء وعن هذا قال المص هناك استهزاء وبينا وجهه آنفا . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 9 ] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) قوله : ( ولئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذتها ) أي الإذاقة مستعارة للإعطاء المشتمل لإدراك إثر النعمة إذ الذوق إدراك الطعوم وعلى الاتساع يستعمل لإدراك سائر المحسوسات والحالات وإلى هذا أشار بقوله بحيث يجد لذتها أي لذتها مطلقا سواء كانت لذة الطعم أو لذة الشم والسمع وغيرها وجه الشبه بينهما مستفاد من تقريره وتوضيحنا أي كما إن وجدان اللذة كما يترتب على الإذاقة يترتب أيضا على الإعطاء المذكور وفسر الرحمة بالنعمة لأنها أثر الرحمة سواء أريد بها إرادة الخير أو الإكرام والإنعام والتعبير بها لكونها فضلا . قوله : ( ثم سلبنا تلك النعمة منه ) أي المراد بالنزع السلب لكونه لازما له والتعبير بالنزع للتنبيه على فرط تعلقه بها وشدة حرصه عليها واختير هنا لفظة منه للتنبيه على أن سبب النزع شؤم معاصيه وعدم الإقامة على شكرها هذا على تقدير أن يكون من تعليلية كما هو الظاهر لإفادة هذه النكتة ويحتمل كونها صلة للنزع وأما اختيار لفظة منا في قوله : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً [ هود : 9 ] فللتنبيه على أنها تفضل من جهة الإكرام لا باستحقاق الأنام . قوله : لأن استعجالهم كان استهزاء فيكون من باب الكناية .